المسعودي
58
مروج الذهب ومعادن الجوهر
بهانىء ، أمر منادياً فنادى « يا منصور » وكانت شعارهم ، فتنادى أهل الكوفة بها فاجتمع اليه في وقت واحد ثمانية عشر ألف رجل ، فسار إلى ابن زياد ، فتحصن منه ، فحصروه في القصر فلم يُمْسِ مسلم ومعه غير مائة رجل ، فلما نظر إلى الناس يتفرقون عنه سار نحو أبواب كندة ، فما بلغ الباب إلا ومعه منهم ثلاثة ، ثم خرج من الباب فإذا ليس معه منهم أحد ، فبقي حائراً لا يدري أين يذهب ، ولا يجد أحداً يدله على الطريق فنزل عن فرسه ومشى متلدداً في أزقة الكوفة لا يدري أين يتوجه ، حتى انتهى إلى باب مولاة للأشعث بن قيس ، فاستسقاها ماء فسقته ، ثم سألته عن حاله ، فأعلمها بقضيته ، فرقت له وآوته ، وجاء ابنها فعلم بموضعه ، فلما أصبح غدا إلى محمد بن الأشعث فأعلمه ، فمضى ابن الأشعث إلى ابن زياد فأعلمه ، فقال : انطلق فأتني به ، ووجه معه عبد الله بن العباس السلمي في سبعين رجلا ، فاقتحموا على مسلم الدار ، فثار عليهم بسيفه ، وشد عليهم فأخرجهم من الدار ، ثم حملوا عليه الثانية ، فشد عليهم وأخرجهم أيضاً ، فلما رأوا ذلك علوا ظهر البيوت فرموه بالحجارة ، وجعلوا يلهبون النار بأطراف القصب ، ثم يلقونها عليه من فوق البيوت ، فلما رأى ذلك قال : اكل ما أرى من الأحلاب لقتل مسلم ابن عقيل ؟ يا نفس أخرجي إلى الموت الذي ليس عنه محيص ، فخرج إليهم مُصْلتاً سيفه إلى السكة ، فقاتلهم ، واختلف هو وبكير ابن حمران الأحمري ضربتين : فضرب بكير فمَ مسلم فقطع السيف شفته العليا وشرع في السفلى ، وضربه مسلم ضربة منكرة في رأسه ، ثم ضربه أُخرى على حبل العاتق فكاد يصل إلى جوفه ، وهو يرتجز ويقول : أقسم لا أقتلُ إلا حرّا وإن رأيت الموت شيئاً مرا